يحلل محمد فواز في هذا المقال مواقف سنّة لبنان تجاه مسار التهدئة مع إسرائيل، حيث يكشف عن توازن دقيق بين الابتعاد عن حزب الله ورفض التطبيع مع الجار الجنوبي. ويأتي هذا الموقف في سياق إعلان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، الذي لم يحسم القضايا العالقة مثل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ جنوبية، بل دفع الأطراف نحو مفاوضات مباشرة برعاية أمريكية، ما فتح الباب أمام انقسامات داخلية حول طبيعة هذه المفاوضات وأهدافها.


ينشر هذا التحليل عبر مؤسسة كارنيجي، حيث يوضح أن النقاش اللبناني يتركز غالبًا على القوى الأكثر تشددًا، بينما يبقى الصوت السني أقل ظهورًا بسبب تشتت قيادته السياسية. ومع ذلك، تتشكل مواقف هذه الشريحة من مجموعة عوامل متداخلة تشمل التاريخ والدين والواقع السياسي والأمني، ما يجعل موقفها معقدًا وغير قابل للاختزال في اتجاه واحد.


عوامل تاريخية ودينية ترسم الموقف


تلعب الذاكرة التاريخية دورًا محوريًا في تشكيل نظرة السنّة لإسرائيل، حيث دعمت أجيال سابقة القضية الفلسطينية وشاركت في نضالاتها، ما رسخ العداء لإسرائيل كجزء من الهوية السياسية. ويعزز الجيل الأصغر هذا الاتجاه مع تصاعد التوترات في السنوات الأخيرة، بينما تعكس خطب المساجد تركيزًا واضحًا على التهديد الإسرائيلي ورفض أي شكل من أشكال التطبيع من منطلق ديني.


في المقابل، يميل السنّة إلى دعم مؤسسات الدولة والالتزام بقراراتها، حتى في حال وجود تحفظات. ويظهر هذا التوجه في الالتفاف حول رئيس الحكومة نواف سلام، حيث يرى كثيرون أن موقعه يمثل ثقل الطائفة داخل الدولة، ما يجعل أي إضعاف له انعكاسًا مباشرًا على وضعها السياسي.


هاجس الأمن الداخلي وتوازن القوى


يدفع القلق من سلاح حزب الله جزءًا كبيرًا من الموقف السني، خاصة مع استحضار تجارب سابقة شهدت استخدام هذا السلاح داخليًا. وتعيد التهديدات الأخيرة والتوترات في بعض مناطق بيروت إحياء هذه المخاوف، ما يدفع السنّة إلى تعزيز تمسكهم بالدولة كضامن للاستقرار.


في الوقت نفسه، يفاقم غياب قيادة سنية موحدة حالة التردد، حيث تفتقر الطائفة إلى إطار سياسي جامع قادر على توجيه مواقفها بشكل واضح. كما تلعب الجغرافيا دورًا مهمًا، إذ تنتشر الكتلة السنية في مناطق متعددة تشمل الجنوب والبقاع، وهي مناطق شهدت مواجهات مباشرة مع إسرائيل، ما يزيد من حدة المواقف المعادية لها ويعزز التعاطف مع خطاب المقاومة لدى بعض الفئات.


تأثير الإقليم وإعادة تشكيل الأولويات


تتأثر مواقف السنّة بشكل واضح بالتوازنات الإقليمية، حيث تساهم علاقاتهم مع دول الخليج وتركيا في إعادة صياغة نظرتهم للصراع. وعلى الرغم من استمرار التوتر مع إيران وحزب الله، تعود إسرائيل لتتصدر قائمة التهديدات في نظر كثيرين، خاصة مع تصاعد العمليات العسكرية في المنطقة.


وتعكس مواقف دول مثل السعودية هذا التحول، حيث تبتعد عن مسار التطبيع في ظل التصعيد، بينما تؤكد تركيا خطابًا أكثر حدة تجاه السياسات الإسرائيلية. كما تلعب سوريا دورًا متزايدًا في تشكيل المزاج السياسي، إذ يدفع موقفها المتشدد تجاه إسرائيل جزءًا من السنّة إلى تبني مقاربة مشابهة، مع السعي في الوقت ذاته لاحتواء التوتر مع حزب الله دون تبني خياراته.


في المحصلة، يتجه المزاج السني نحو الحفاظ على مسافة واضحة من توجهات حزب الله، مع رفض أشد لفكرة التطبيع مع إسرائيل. ويتشكل هذا التوازن تحت تأثير عوامل داخلية وإقليمية متشابكة، ما يجعله قابلًا للتطور مع تغير موازين القوى في المنطقة. ويشير هذا المسار إلى أن لبنان سيظل ساحة رئيسية لتقاطع الصراعات الإقليمية، حيث تتداخل الحسابات المحلية مع التحولات الكبرى في الشرق الأوسط.

 

https://carnegieendowment.org/middle-east/diwan/2026/04/lebanons-sunnis-and-peace-with-israel